الجودة والاعتماد الاكاديمي للجامعات: بين الضرورة والرغبة

General discussions Concerning Iraqi Higher Education

Moderator: Al-Wahedi

Post Reply
Al-Wahedi
Site Admin
Posts: 302
Joined: Fri Nov 26, 2004 2:24 pm
Contact:

الجودة والاعتماد الاكاديمي للجامعات: بين الضرورة والرغبة

Post by Al-Wahedi » Tue Aug 09, 2011 2:12 am

الجودة والاعتماد الاكاديمي للجامعات: بين الضرورة والرغبة
07/08/2011
أ. د. محمد الربيعي
تسعى اليوم الجامعات العراقية بكل ما توفر لها من وسائل للحصول على الاعتماد الاكاديمي من جهات عربية وعالمية، احيانا رصينة معترف بها واحيانا اخرى تجارية نفعية. ومع ان الرغبة صادقة عند مسؤولي الجامعات في تحسين التعليم العالي وتطويره ليصل الى مصاف الجامعات العالمية، الا ان النزعة الجامحة للحصول على شهادة الامتياز الاكاديمي والجودة، واحيانا عدم الالمام باهداف الاعتماد قد اضاع غاياته واهدافه.
ما هي ضرورة الاعتماد، وما هي درجة اهميته للجامعات العراقية؟ وما علاقة الاعتماد بالجودة وضبطها؟ تلك هي اسئلة كثيرا ما طرحتها في محاضراتي ولقاءاتي مع الاكاديميين العراقيين حيث رأيت في اجاباتها تكمن اهمية كبرى لتحديد استراتيجيات وسياسات التعليم العالي. فالعلاقة بين ضبط الجودة والاعتماد علاقة ضمنية من حيث كون ضبط الجودة شرط اساسي للحصول على الاعتماد واستيفاء الجامعة لمعايير الجودة، وهي كثيرة تشمل منها الخطط الدراسية، آلية التعليم والتعلم، آلية التقييم والامتحانات، مراقبة تقدم الطلبة وإنجازاتهم، الدعم الأكاديمي، الدعم اللامنهجي واللاصفي، وفرة المصادر التعليمية، مستوى البنية التحتية والخدمات، عملية متابعة الخريجين والتواصل مع المجتمع المحلي، وإدارة الجودة وتعزيزها. وتعتبر فعالية نظم ضمان الجودة في الجامعة المحك الرئيسي لقياس استمرار تحسين مستوى الجامعة، والذي يعتبر بدوره هدف رئيسي للاعتماد، خصوصا من تلك المنظمات التي تؤكد على ضرورة المراجعة الدورية للتقدم الحاصل في المؤسسة التعليمية. لذا فان مجرد الحصول على شهادة الاعتماد لا يعني شئ سوى ان الجامعة استطاعت تحقيق شروط محددة في مجالات العملية التعليمية المختلفة على ضوء معايير الجهة المانحة للاعتماد. ومن هذا فأن سعي بعض الجامعات في الحصول على الاعتماد الاكاديمي من دون تحقيق معايير الجودة وضمان النوعية هو كمن يوضع العربة امام الحصان (على حد تعبير المثل الانكليزي) حيث يصبح الاعتماد هدفا بحد ذاته وليس اداة للتغيير والتطوير. ولكي يوضع الاعتماد في مكانه، ويمنح اعتباره الملائم من حيث كونه مجرد اعتراف رسمي من الدولة او من منظمة محلية او عالمية بأن المؤسسة التعليمية قد حققت الحد الادنى من الجودة لابد من اعادة وضع العربة في مكانها الصحيح اي خلف الحصان. والاعتماد لن يكون عقبة اذا ما تم تحقيق مقومات الجودة وضمانها، ولا اعتقد ان اية مؤسسة عالمية للجودة يمكن ان تأخذ مؤسساتنا التعليمية مأخذ الجد اذا لم تتوفر لهذه المؤسسات رؤية ورسالة واهداف، وان تقوم المؤسسات بعملية تقييم ذاتي، وهو تقييم تقوم به المؤسسة بانفسها، ويعتمد كالفحص الشامل لاعضاء وفعاليات الجسم على منظومة كاملة من المعايير والمؤشرات الدالة على جودة كافة عناصر العملية التعليمية والتي تشخص الاخطاء والعلل وتضع العلاجات الملائمة. واذا كانت المؤسسة تفتقر على القدرة على التقييم الذاتي، ولا على تشخيص نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات التي تواجه المؤسسة، عندها تنعدم امكانية الحصول على الاعتماد، فليس من المنطقي الشروع في اجراءات الاعتماد قبل الانتهاء من التقييم الذاتي والبدء في اجراءات التحسين والتطوير.
ان واقع مؤسساتنا التعليمية يدل على ان سبب فشل الكثير من مشاريع التطوير تكمن في عدم وجود خطط ومنهجيات واستراتيجبات لتحقيق اهداف واضحة وممكنة بضمن ميزانية مالية كافية، وهذه تحتاج الى اجراء تغييرات جذرية في الانظمة والبرامج الادارية والاكاديمية، وتطوير بناها التحتية من قاعات ومختبرات، ورفع قدرة قواها البشرية الاكاديمية، وان تكون بيئتها بيئة حرة، وجوها مفعم بالحرية والتقدير، وفيها يحترم الرأي وبدون تدخل او ضغوط خارجية ، وان يكون لها إمكانيات مالية ملائمة وقوة أكاديمية مؤهلة تستمر في التعلم مدى الحياة. ومتى ما تحقق ذلك فلا خوف من التعامل مع فرق التقويم الخارجي، ولا حرج في محاولات الحصول على الاعتماد الاكاديمي من منظمات دولية. واي شئ اقل من تحقيق هذه الاهداف والمؤشرات لن يؤدي الا الى بقاء الجامعات كمصانع قديمة لانتاج معدات غير مرغوب بها ولا تستطيع منافسة المنتجات العالمية.
وبما ان هدف عملية التقييم الذاتي هو الارتقاء باداء الجامعة فأنه من المؤكد انها ستعتمد على معالم معيارية لابد من تحقيقها لكي تتطور الجامعة، وستؤدي في حالة الاخذ بها الى اعادة انشاء نظام التعليم الجامعي على اساس المرونة والكفاءة، والتحول من التعليم الى التعلم، وهذا بالتأكيد سيدفع بالجامعة الى احراز الجودة لتصبح مؤسسة لتكوين كوادر تلائم عصر اقتصاد المعرفة المدعوم بتكنولوجيا المعلومات. وفي هذا السياق فان الجامعة ستحتاج لضمان الجودة او النوعية العالية الى ادوات تقييم انتاجية لكي توفر اجابات واضحة لما هي رؤية الجامعة والاهداف التي تسعى لتحقيقها؟ كيف يمكن قياس نجاح الجامعة؟ ما هي انظمة التقييم وقياس النوعية والجودة؟ وما هي المواضيع التي تسعى الجامعة لتحقيق الصدارة والتميز فيها؟
والتقييم الذاتي يبنى بالاساس على توفير اجابات شافية للاسئلة التالية: ماذا تحاول أن تفعل الجامعة؟ لماذا تحاول أن تفعل ذلك؟ ما هي الطريقة التي ستتبعها؟ لماذا تفعل ذلك وبهذه الطريقة؟ لماذا تعتقد ان هذه هي الطريقة المثلى للقيام بذلك؟ هل تعرف كيف يتم التحسين؟ هذه الاسئلة وغيرها لابد من الاجابة عليها بوضوح لكي تكون للجامعة رؤية ورسالة واهداف مناسبة، وستبنى على اساسها مشاريع تطويرية، ولربما تحدث طفرة كبيرة بتبني اصلاح شامل بحيث يصبح التعليم الجامعي انعكاس لسوق العمل وحاجة المجتمع، وعندها لن تكون هناك عقبات امام الاعتماد، وسيكون وسيلة ناجحة لمزيد من التطوير، لان لا فائدة من الاعتماد اذا لم تتوفر مقوماته في استقلالية الجامعات والادارة اللامركزية والمرونة التنظيمية والهيكلية، ولان هذه الاستقلالية هي التي ستفسح المجال لقبول التغيير السريع والمستمر الذي يفرضه الاعتماد، ولن تكون له معنى وقيمة لان له مرجعية ومعايير عالمية. اما اذا كان الغرض من الاعتماد هو للحصول على سمعة عالمية فأحب ان اؤكد بانه لا وجود لمثل هذه العلاقة ذلك ان السمعة العالمية تبنى على الانجازات الباهرة التي تحققها الجامعة في مستويات التدريس والبحث العلمي، وفي ضروف العراق الراهنة لا اعتقد ان الاعتماد سيزيد ايضا من احتمال حصول الخريج على وظيفة افضل ومعترف بها احترافيا، ولا على زيادة الاموال المخصصة للجامعة، ولا الى زيادة رغبة الطلبة المتفوقين من الثانويات لدخول هذه الجامعة دون غيرها، هذا علما ان هذه النتائج وغيرها تعد من اسباب اندفاع الجامعات في العالم الغربي نحو اعتماد برامجها وشهاداتها.
خلاصة الموضوع، ان الاعتماد الاكاديمي يعتمد على نظام واضح ومحدد، ولا يمنح الا اذا استطاعت المؤسسة من تطبيق اسسه وشروطه، وسعى الجامعات العراقية للحصول عليه لهو سعي مشروع في حالة اعتباره وسيلة للتغير والتطوير، ومن دون تطبيق اسس ضبط الجودة ومعايرها ووجود التخصيصات المالية الكافية للارتقاء بالجامعات من ناحية البنى التحتية، وتنمية مستوى كفاءات ومؤهلات الموارد البشرية، وتطوير المناهج وطرائق التدريس، واعتماد نظام الإدارة اللامركزية، والمرونة التنظيمية والهيكلية، فان الاعتماد لن يتحقق وسيبقى حتى في حالة الحصول عليه مجرد شهادة هي حبر على ورق.
واخيرا احب ان اتقدم بنصيحة الى زملائي في الجامعات العراقية وهي ان يستعينوا بخبرة المنظمات العراقية كشبكة العلماء العراقيين في الخارج (نيسا) والاكاديميين العراقيين في جامعات الدول الغربية في مجال الجودة والاعتماد قبل واثناء الشروع بعملية التقييم الذاتي، واستقطاب هذه العقول للمشاركة في التقييم ومراجعة تقرير التقييم الذاتي، ولغرض تحديد مواطن القوة والضعف، وتقديم مقترحات لتحسين اداء التعليم والبحث. وفي ذلك فائدة جمة للجامعات وللوطن بتحريك القوى العلمية المهاجرة والاستفادة من طاقاتها الابداعية، وبهذا الاسلوب تساير الجامعات العراقية مثيلاتها الجامعات العالمية في اجراءات التقييم الخارجي بالاضافة الى اجتذاب العلماء العراقيين في المهجر لاقتباس الخبرة والمعرفة وتطوير الدراسات الاكاديمية من دون الحاجة الى تخصيصات مالية هائلة.

Post Reply