ملاحظات حول "الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي

General discussions Concerning Iraqi Higher Education

Moderator: Al-Wahedi

Post Reply
Al-Wahedi
Site Admin
Posts: 302
Joined: Fri Nov 26, 2004 2:24 pm
Contact:

ملاحظات حول "الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي

Post by Al-Wahedi » Fri Feb 24, 2012 4:21 pm

ملاحظات حول "الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي في العراق"

أ.د. محمد الربيعي

منذ فترة طويلة ونحن ننتظر بفارغ الصبر صدور مسودة وثيقة الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي في العراق، وهي الوثيقة التي اعلن نائب رئيس الوزراء، صالح المطلق، في تشرين الاول الماضي عن الانتهاء من إعدادها ووصفها بأنها ستكون الاطار الوطني الاعلى والاسمى لعمل الوزارات القطاعية في مجال التربية والتعليم العالي. ووعدنا مستشار وزارة التعليم العالي الدكتور صلاح النعيمي في بداية هذا الشهر بنشر الوثيقة في خلال اسبوعين.

ولاني كنت قد اطلعت على مسودة الإستراتيجية سابقا فقد ارتأيت عدم انتظار اعلانها والبدء بالتعليق على جوانب مهمة منها وبصورة تدريجية. وقبل ان ادخل في هذه المواضيع احب ان أؤكد اتفاقي التام مع الدكتور النعيمي من حيث اعتبار هذه الإستراتيجية خطوة في طريق بناء التربية والتعليم العالي باتجاه العمل المؤسساتي وللارتقاء نحو الرصانة بما يتناسب مع التوجهات العالمية المعاصرة.

بدت الستراتيجية لي من الصفحات الاولى جادة وواضحة في تحديد مكامن الخلل في النظام التربوي العراقي، فأسهبت في سرد نقاط الضعف في المنظومة التشريعية، والإدارية، والبنية التحتية، والفرص المتاحة، والجودة، والتمويل، والبحث العلمي. وشخصت واقع التربية والتعليم العالي في العراق بصورة علمية وفنية عالية، وبعيدة عن التوجهات السياسية قصيرة النظر والمواقف الفئوية الضيقة، ورسمت سياسة تتصدى للتخلف من خلال خلق بيئة صحية تتناسب مع التقدم العلمي والتربوي والتكنولوجي في العالم، فوضعت اهداف طموحة وخيارات استراتيجية لرفع الواقع التربوي والعلمي في العراق، واقترحت الخطوات العملية المطلوب إتخاذها لتنفيذ هذه الخيارات.

من مكامن الخلل في النظام التربوي العراقي، شخصتْ الوثيقة بصواب التحدي الذي يواجه عمل وزارتَي التربية والتعليم العالي، والذي يكمن في المشاكل الادارية التي يعاني منها الهيكل التنظيمي للوزارتين، والمتمثل باتباع التنظيم العمودي والمركزي، والمتسبب بانعدام مرونة القوانين، وعدم مواكبتها للتغيرات السريعة في القطاعات التعليمية الدولية مما يشكل عائقا امام عمل الجامعات واستقلاليتها. وتؤكد الوثيقة على وجود تداخل وتضارب وعدم وضوح كبير في الصلاحيات الخاصة بكل مستوى من المستويات الادارية. ولحل هذا المشكل توصي الستراتيجية بتشريع قانون جديد يضمن القضاء على التداخل، وزيادة مستوى اللامركزية، ودعم استقلالية الجامعات والمديريات العامة للتربية.

لم تتطرق الوثيقة الى مفهوم استقلالية الجامعات، وبدا واضحا عدم رغبة الخبراء في وضع توجهات استراتيجية واضحة في هذا المجال وترك الموضوع مبهما بحيث تلابس الامر بين الاستقلالية واللامركزية. كان بالاحرى تقديم اهداف واضحة عن هيكلية التعليم العالي ومؤسساته بالاعتماد على رؤية جديدة لمستقبل التعليم العالي، وعلاقة الجامعات بالوزارة لغرض ترشيد المؤسسات القائمة، واستحداث مؤسسات جديدة انطلاقا من الأسس العامة لاسلوب الحكم الذاتي المتمثل في استقلالية المؤسسات التعليمية، واعتبار كل جامعة حرم ذو حصانة تتمتع بشخصية اعتبارية.

ولابد لي، ونحن في هذا السياق من اقتراح اسلوب عملي على أساسه يتم الفصل بين مركزية التخطيط والاشراف من قبل الوزارة، واستقلالية الشؤون الادارية والاكاديمية للجامعات، بحيث يحكم الوزارة وزيرها وجهازها الاداري بالاضافة الى مجلس وزارة يضم ممثلين عن جميع اصحاب المصالح المتعلقة والفئات صاحبة المصلحة من رؤساء الجامعات والاساتذة والطلبة والخريجون والوزارات القطاعية خصوصا وزارة التربية ووزارة العلوم والتكنولوجيا والقطاع الخاص وعلماء وخبراء تربويين من داخل وخارج العراق. وبحسب هذا الاقتراح تتضمن مسؤوليات الوزارة التخطيط ، ووضع الاطار العام للسياسات لتطوير التعليم الجامعي واعداد الدراسات التربوية، ومشاريع القوانين والترخيص والمراقبة والاشراف ومعادلة وتصديق الشهادات والتمويل وارسال البعثات الدراسية الى خارج العراق والاشراف على المكاتب الثقافية في الخارج، بينما تحكم الجامعات نفسها بنفسها وذلك بتشكيل مجلس أمناء لكل جامعة لغرض الاشراف على ادارة اعمالها، وان تدار الشؤون الادارية والاكاديمية والمالية من قبل مجلس أداري/أكاديمي حسب نظام داخلي خاص بالجامعة.

ولان الجامعة بهذا المفهوم تعتبر مؤسسة تتمتع بشخصية اعتبارية فلها الحق في تغيير هيكليتها وبما يتناسب ونظامها الاداري والاكاديمي، فعلى سبيل المثال، يتم اعتماد هيكلية المدارس او الأقسام كوحدات رئيسية للبرامج الاكاديمية بدلا من الكليات لتقليل الازدواجية في الأقسام بالتقنين والاندماج على اساس الجدوى الاقتصادية، كما لها الحق في منح او الغاء البرامج والدرجات العلمية بما يتناسب وامكانياتها الاكاديمية، وتعين او فصل منتسبيها، وتحديد منهجيات التعليم والتعلم الخاصة بها.

ان استراتيجية تحقق للعراق موقعا عاليا في المجتمع العلمي والتكنولوجي العالمي لابد لها ان تقدم بديلا للهياكل الاكاديمية الحالية استنادا لحاجة السوق والمجتمع المحلي والعالمي، ومنها التركيز على انتاج المعرفة العملية والمهنية، وحصر العلوم الاجتماعية والانسانية بصورة تتناسب مع الحاجة لها، وتجميد البرامج عديمة الجدوى، فليس من المعقول ان تكون في احدى الجامعات العراقية سبعة اقسام لاختصاص واحد، ولابد أيضا من اعادة النظر في الفصل التقليدي بين الاختصاصات.

الدراسات العليا لم تعد وسيلة من وسائل تطوير البحث العلمي، وانما وسيلة لمنح الشهادات، وإن كثرتها التي اصبحت بالمئات وفي اختصاصات لا توجد حاجة ماسة اليها ادى الى تضخم عدد حملة الدكتوراه المحلية في الاقسام الاكاديمية نتيجة عدم وجود مجالات عمل أخرى لهم في مؤسسات الدولة الاخرى، فاصبح البحث العلمي عملية مهنية اكثر من كونها اكاديمية. تشير الإستراتيجية إلى أن عدد الرسائل والأطروحات من عام 2003 الى 2008 بلغت ما يقارب 24500 وهذا رقم هائل اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار العدد الضئيل من التدريسيين من حاملي الدكتوراه والمؤهلين للإشراف على طلبة الدراسات العليا، وشحة الأجهزة والمعدات والمصادر المكتبية، بالاضافة الى عدم حاجة السوق الى معظم الخريجين من حملة الماجستير والدكتوراه. ومع هذا فان الإستراتيجية تؤكد على ضرورة توسيع فرص القبول في برنامج الدراسات العليا المختلفة من دون ربط هذا التوسع بحاجة السوق، او بالاختصاصات العملية، أو بتوفر الأساتذة المؤهلين للإشراف. اني اعتبر ذلك نتيجة طبيعية لما يواجه التعليم العالي من الطلب الواسع على الدراسات العليا خصوصا من قطاعات اجتماعية تعتبر الشهادة العليا ولقب دكتور بالخصوص ميزة اجتماعية عليا قبل ان تكون ميزة سوقية مما يجعل التركيز بالدرجة الاولى على التوسع الكمي خصوصا في الدراسات النظرية. لذا كان من الأفضل قبل تحديد عدد الجامعات والطلاب معرفة درجة الهدر في التعليم الجامعي، وتشخيص اسبابه، وبالتالي وضع اهداف لردئه وانقاص معدلاته.

وبرغم من أن أهداف الإستراتيجية هو بناء عدد هائل من رياض الاطفال والمدارس الابتدائية والثانوية والمهنية، وهذه اهداف سامية ضمن نوايا رائعة وجميلة، إلا إنها تتضمن أيضا استحداث 21 جامعة حكومية جديدة. وهنا أيضا تم اقتراح هذا العدد الهائل من دون أن ياخذ بنظر الاعتبار نوعية الاختصاصات وحاجة سوق العمل وتوفر الاساتذة المتخصصين وما يؤدي اليه التوسع الكمي من إهمال للجوانب النوعية للنظام التعليمي وانخفاض مستوى الطلاب والخريجين. ان هذه الاهداف تضعنا امام تساؤل عن دور الجامعة التقليدي ودورها الجديد؟ فالدور التقليدي هو توفير المعرفة التي تؤهل الخريج للحصول على شهادة ووظيفة، ومن دون الاستهانة بهذا الدور، الا ان الدور الإستراتيجي الجديد هو انتاج المعرفة وهذا على ما يبدو ما تريده الإستراتيجية المقترحة للجامعات العراقية بالرغم من ان تحقيق ذلك يحتاج الى إصلاح مراكز انتاج المعرفة نفسها واعني بها الجامعات بشكل خاص بما يضمن لها من مواكبة عصر الانفجار المعرفي، وهذا بالضرورة يتطلب تركيز الموارد المالية والبشرية لتحقيق الاصلاح وتوجيه التعليم العالي الى وظيفة انتاج المعرفة وإحداث تغيير جذري في القيم والحوافز الاجتماعية وتشجيع نشاطات البحث والتطوير والابتكار والانسياب الحر للمعلومات والافكار.

رؤية ورسالة الإستراتيجية في ضرورة إصلاح نظام التربية والتعليم وتطويره بما يجعله منافسا للمجتمع العالمي القائم على اقتصاديات المعرفة هو وصف وصياغة لصورة مستقبلية رائعة، إلا ان الاتجاه حول تحقيق هذا الاصلاح تشوبه الضبابية لأن الاهداف الكبيرة التي وضعتها الإستراتيجية غير قابلة للتحقيق من دون تحسين مستوى المدرسين، وإن الطريق الوحيد لتحقيق نتائج افضل هو بتحسين الأداء، وهذا يتطلب من المؤسسات التعليمية تعليما وتربية للطلاب اكثر ملائمة لعالم اليوم من حيث تمتع الطلاب بمهارات ابداعية ولغوية وفنية وانتاجية واحترافية، وبقابليات اتخاذ القرارات، والقدرة على العمل المستقل، وهذه بمجملها لا تقل أهمية عن المعلومات المكتسبة في موضوع دراسي محدد. وكان من المهم ان تضع الستراتيجية طريقا لتطوير تعليم اللغات وجعل المدرسة وغيرها من المؤسسات التربوية ميادين التجديد، وتبني المستحدثات الحديثة من خلال الانفتاح على الحضارة المعاصرة والاستفادة من تجارب الشعوب. وهذا يتطلب تطوير منهج تدريس اللغات في المرحلتين التعليميتين، الابتدائي والثانوي، والتركيز على المهارات الأساسية التي تمكننا من مواصلة التعليم والتعلم باللغات الأخرى التي تنقل منها العلوم والمعارف والمهارات. ويتم ذلك بالبدء فى تعليم اللغة الإنجليزية، بدءً من الصف الأول الإبتدائى كإيمان بأهمية تعلم اللغات منذ سن مبكرة. أما الجامعة فدورها في تعليم اللغات يتركز في تأهيل مدرسي اللغات والمترجمين ومن يحتاجهم سوق العمل. إني مقتنع بأن تخلفنا العلمي والتكنولوجي يعود بدرجة كبيرة الى تخلفنا في اللغات العالمية، لانها الوسيلة الأساسية في اقتباس المعلومات وكسب العلوم ونقل التكنولوجيا، وبها أيضا ننقل علومنا وابتكاراتنا واكتشافاتنا وكل ما يمكن ان نساهم به لتطوير الحضارة الانسانية الى العالم.

لا يمكن لاية استراتيجية للتربية والتعليم العالي ان تهمل العقول البشرية، فالتحدي الراهن والمستقبلي يتطلب الاستفادة من كل القوى البشرية القادرة على تحديث نوعية التعليم، وتحسين جودة المخرجات التي تلبي احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية. ومع هذا فقد أهملت الإستراتيجية عنصرا مهما لدعم القدرات البشرية في منظومتي التربية والتعليم العالي، ألا وهي الكفاءات والخبرات والعقول البشرية في الخارج. في العالم لا يختلف اثنان حول أهمية الكفاءات المهاجرة في بناء البلد الا في العراق، فشأن هذا الموضوع شأن المواضيع الساخنة الأخرى التي تعرقل حل المشاكل والقضاء على الازمات ودفع مسيرة التطور الاقتصادي والاجتماعي الى الأمام. في العراق فقط ترى حالة عدم احترام القدرات العلمية والكفاءات التي ترغب صادقة في خدمة وطنها، وتسود آراء عدائية نحو كفاءات الخارج منها ما يؤكد على عدم إحتياج العراق الى هذه الكفاءات، وبأنها غريبة عن تربة الوطن ولا تفهم مشاكله، ولا تستطيع ان تقدم حلولا لها. هل ان من يبرع ويبدع وينتج في الخارج لا يستحق الرعاية والتقدير في الداخل؟ يؤخذ على الإستراتيجية أنها عكست الحالة السائدة والشاذة في العراق فلم تضع أهدافا لتحفيز وجذب العقول العراقية المهاجرة. هل ان سياسات الاستفادة من الكفاءات في الخارج لا تبنى على استراتيجية؟ لقد سبق وان طرحنا مبدأ "تحفيز الكفاءات على استثمار طاقاتها داخل العراق"، ولتحقيق هذا المبدأ يتطلب وضع الاجراءات الضرورية، وخلق الآليات العملية، وتخصيص الأموال اللازمة لزيادة ميزانيات البحث والتطوير، وبوضع التعليمات التي تؤدي الى تشجيع وتسهيل عودة علماء وكفاءات الخارج، وبزيارة الوطن، والمشاركة في بنائه عن طريق تقديم الخبرة والمشورة. أليس هذا هدف استراتيجي سامي جدير بالاعتبار والاهتمام؟

هذا ما احببت طرحه في هذه المناسبة، وسأعود الى الموضوع بعد طرح الإستراتيجية للمناقشة العامة لغرض إثراء الحوار حولها، وهدفي هو تطوير الرؤية المستقبلية لقطاع التربية والتعليم وردف عملية التخطيط والتنفيذ.

Al-Wahedi
Site Admin
Posts: 302
Joined: Fri Nov 26, 2004 2:24 pm
Contact:

Re: ملاحظات حول "الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العال

Post by Al-Wahedi » Fri Mar 02, 2012 5:27 pm

ملاحظات حول الرسوب والتسرب في "الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي في العراق"

أ.د. محمد الربيعي

كنت قد ناقشت في الجزء الأول من هذه الملاحظات جانباً من جوانب الإستراتيجية التي تخص بعض جوانب الخلل في النظام التربوي العراقي، وسأكتفي في هذه الورقة - التي هي بمثابة الامتداد لسابقتها - بمناقشة موضوع الرسوب والتسرب (الهدر) في المدارس والجامعات، وهو الموضوع الذي دعوت إلى معرفة درجاته وتشخيص أسبابه، وبالتالي وضع أهداف لدرئه وإنقاص معدلاته. وهنا يكمن بيت القصيد، فالإستراتيجية تضع أهداف واضحة لتخفيض نسب الرسوب والتسرب إلى مستويات مستهدفة تتراوح ما بين 1% - 5% في المراحل الدراسية كافة، وبضمنها المرحلة الجامعية والدراسات العليا.

ما أثار حيرتي هو عدد من العمليات والإجراءات التي تقترحها الإستراتيجية لتخفيض المستويات إلى معدلات تقارب ما هو موجود في الدول المتطورة، وهي عمليات وإجراءات لا تتناسب مع الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتسرب، والتي تختلف باختلاف المجتمعات، ولا يمكن حسابها إلا بمعرفة النسبة المستهدفة والمخرجات التعليمية. ويتجلى التسرب "في انقطاع التلاميذ ومغادرتهم المدرسة قبل إتمام مرحلة معينة من الدراسة ودون حصولهم على الحد الأدنى من التعليم الذي يسمح لهم بالتأهيل والاندماج في الوسط الاجتماعي وبذلك يصبحون عبئا على المجتمع" (محمد حطاش).

ويتسع مجال هذا المفهوم إلى عدد كبير من الظواهر التربوية السلبية ومنها: الانقطاع عن الدراسة، وعدم الالتحاق بها، والرسوب والتكرار، والفصل من المدرسة، وتغيبات المدرسين وتركهم العمل، وعدم إتمام المناهج المقررة. ولذلك فأن التسرب المدرسي يعتبر من أكثر الظواهر خطورة على الاستثمار التربوي من حيث انه يؤدي إلى إضعاف مردودية النظام التعليمي. وعند البحث عن أسبابه وجدت عشرات منها ما هو ذاتي أو شخصي، ومنها ما هو اقتصادي واجتماعي، ومنها ما هو مدرسي. وللتعرف على هذه الأسباب دعنا نقتبس من دراسة مغربية للأستاذ احمد، بعنوان (الهدر المدرسي)، يشير الكاتب فيها إلى عدد من أسباب الهدر غير المدرسية، كضعف الدخل المادي للأسرة، وتشغيل الأطفال، والوضع الصحي للطفل، والمشاكل العائلية، وأمية الآباء، وردود الفعل السلبي للآباء تجاه المدرسة، وبعد المدارس عن المنازل، والزواج المبكر عند البنات. أما الأسباب الذاتية فيعزيها الكاتب الى إهتراء البنية التحتية للمدارس، وعدم مواضبة المدرسين، وكثرة التغيبات، وصعوبة التحصيل وما ينتج عنه من فشل في الدراسة، وسوء العلاقة بين المدرس والتلميذ.

لنعود ونأخذ مثالا من العراق ومن مصادر مديرية تربية محافظة ذي قار حيث بلغت نسبة التسرب في عام 2008، نحو 69% (د. عمر صالح). يشير الباحث إلى أهمية نتائج التسرب في هذه المحافظة لأنه يعتبرها من المحافظات المستقرة امنيا وهو شرط لازم لاستمرار العملية التربوية وانتظام الدوام، لذا يتساءل عن حال المحافظات الأخرى الأقل استقراراً، وهل أن أسباب التسرب يكمن فقط في "التفكك الأسري" كما يردده على مسامعه ذوي الاختصاص. ويعود د. عمر ليسرد أسباب التسرب المدرسي في العراق فيذكر من الأسباب، تصدع وانهيار التركيبة الاجتماعية والقيمية، وتدهور المكانة الاجتماعية للتعليم عند العائلة، وتدهور الأوضاع الصحية، وانتشار الأمراض، وانشغال الأسرة بتغطية متطلبات الحياة الاقتصادية، وضعف الغطاء الاقتصادي المتمثل بالدعم المالي، وضعف مخصصات قطاع التربية والتعليم، وعدم ارتباط المناهج بحاجات المجتمع، وعدم احترام شخصية التلميذ، والرسوب المتكرر، وانعدام أو ضعف العمل المشترك بين المدرسة وعائلة التلميذ، وبعد المدارس عن السكن، وقصر اليوم المدرسي. ومن الأسباب السياسية يذكر الباحث أسبابا مثل عدم الاستقرار السياسي، وانتشار ظاهرة التعصب الديني والطائفي والقومي كإحدى القيم الأخلاقية التربوية الضاغطة على النسيج الاجتماعي، وتعرض النظام التربوي جراء سياسات النظام السابق الهوجاء وحروبه الكارثية، وما تلتها من سياسات عشوائية بعد الاحتلال، وازدياد حدة الإرهاب وتأثيراتها بزرع الخوف عند التلاميذ مما أدى إلى عزوفهم عن الدوام.

هذا ويضع الباحث د. عمر صالح في دراسته المنشورة على الانترنت علاجات لظاهرة التسرب يستند فيها إلى نظام كامل من الإجراءات لا أريد سردها هنا لأنها عديدة ومتنوعة، إلا إني أجد من الضروري مقارنتها بما اقترحته الإستراتيجية من عمليات لكي يتم تخفيض نسب الرسوب والتسرب الى معدلات تتراوح ما بين 1% - 5% من المعدلات العالية كمعدلات محافظة ذي قار التي أشار إليها الباحث د. عمر صالح، والى ما أشار إليه المسح المدرسي الذي نفذته وزارة التربية عام 2004 بدعم من اليونيسيف والذي اظهر أن حوالي 24% من الأطفال يتسرب من المدارس قبل إتمام المدرسة الابتدائية الإلزامية (د. عبد الأحد متى دنحا). ويشير د. عبد الأحد أيضا إلى وجود إحصائيات حديثة نسبيا تشير إلى أن نسبة عدد التلاميذ الذين يلتحقون بالمرحلة الأولى ويصلون إلى الصف الخامس قد ارتفعت عام 2006 لتصل 90%، مع العلم أن وزارة التربية كانت قد أعلنت في عام 2010 أن معدل التسرب المدرسي بلغ 6% في عموم مدارس البلاد. أنا لا اعرف كيف يتم حساب هذه المعدلات ولكن التناقض بينها واضح مما يدل على أن بعض الحسابات لا تتضمن نسبة الأميين من الذين لم يدخلوا أبدا المدرسة ولم تحدد هذه المعدلات اعمار التاركين للدراسة وعدد سنوات دراستهم لغرض تحديد درجة تعلمهم ومعارفهم.

كما اني لا افهم كيف سيتم تخفيض نسبة الرسوب في المدارس الابتدائية الى 3% والتسرب إلى 1% عبر أساليب لا تعالج المشاكل الحقيقية بالاستناد إلى ما تم تشخيصه في هذه المجالات من قبل التربويين. فهل من المعقول إهمال العوامل الاجتماعية والسياسية التي ذكرت اعلاه وتأكيد أهمية "تطوير المناهج وبناء وتطوير قدرات العاملين في وزارتي التربية والتعليم العالي واعتماد المعايير العالمية في نسبة عدد التلاميذ لكل معلم"؟ وهل "التوسع في برنامج التعليم للكبار وإطلاق برنامج لمحو الأمية والتوسع في فتح المدارس في المناطق الريفية والنائية" سيؤدي إلى وقف التسرب والحد من معدلات الرسوب. أنا لا اعتقد أن هذه الأهداف العامة والطموحة لها علاقة كبيرة بنسب الرسوب والتسرب، وكان من الممكن وضعها في محاور اخرى ذات علاقة لكي لا تضيع اهميتها، ولكي تكون الخيارات الستراتيجية ذات مصداقية ووسيلة فعالة لتحقيق الاهداف. ومن دون بحث شامل لمشكلة التسرب والرسوب، وتحديد جذورها لا يمكن وضع حلول صائبة لها.

ومع هذا فاني أجد نفسي ملزما لوضع بعض المقترحات العامة (واعترف بأنها مقترحات غير مدروسة)، منها إلغاء الامتحانات السنوية في المرحلة الابتدائية، وهذا الأسلوب سيؤدي بالضرورة إلى إنهاء حالات الرسوب كما هو معمول به في عدد كبير من الدول المتطورة لاسباب تربوية عديدة لا مجال للخوض فيها هنا. واقترح أيضا أن تفرض عقوبات على الآباء عند عدم الالتزام بتنفيذ شروط التعليم الإلزامي، وتوفير الحوافز المادية للطلبة الفقراء، ومنع تشغيل الأطفال منعا باتا، وتدريب وتأهيل المدرسين على ضوء التطورات التربوية والنفسية المعاصرة، وتوفير المرشدين الاجتماعيين في كل مدرسة، وتبديل المناهج بما يضمن بناء مهارات إبداعية ولغوية وفنية وإنتاجية، وبقابليات القدرة على اتخاذ القرارات والاعتماد على النفس لكي لا يكون الطالب عند تركه مقاعد الدراسة عبئاً على عائلته وعلى المجتمع، وزيادة عدد رياض الأطفال خصوصا في المناطق الفقيرة، والاهتمام بالمرافق والخدمات التعليمية والنشاطات اللاصفية كالسفرات السياحية والزيارات للمراكز العلمية والفنية والمتاحف، ومعالجة مشكلة قمع الأطفال من قبل أقرانهم (bullying) وإيجاد حلول لها، وتشكيل مجالس الآباء لكل المدارس الابتدائية والثانوية ومنحها صلاحيات إشرافية وتوجيهية. كما يجب على الستراتيجية وضع خيار استراتيجي يتضمن منع ضرب أو إهانة الطلاب من قبل المدرسين وهو العمل الذي يوصف بأنه من اخطر اسباب التسرب، ويربي في الطفل نزعات العنف والانتقام وبأنه ظاهرة غير حضارية وعمل شائن يمارس علنا في المدارس العراقية رغم ان وزارة التربية تمنعه، لذا وجب معاقبة مدراء المدارس والمدرسين الذين لا يلتزمون بهذا المبدأ الأخلاقي ومتابعتهم قانونيا وقضائيا والتأكيد على اهمية احترام الطفل وحماية حقوقه الإنسانية.

أما بالنسبة لتخفيض الرسوب في التعليم العالي إلى نسبة 5% والتسرب إلى 1% فهذا الهدف يبدو لي مجرد طموح، ولا اعرف كيف للخيارات الإستراتيجية التي ذكرت في هذا الحقل ستؤدي إلى تحقيق الهدف. مشكلة الرسوب والتسرب في التعليم الجامعي موجودة في كل بلدان العالم، إلا إن أسبابها تختلف بطبيعة الأنظمة التربوية، وهي بصورة عامة تعود إلى انعدام الرغبة عند الطالب وضعف تمتعه بالقدرات اللازمة وقبول الطلبة في اختصاصات لا يرغبون فيها أو غير مجدية لسوق العمل وضعف المحفزات داخل المؤسسة الجامعية وضعف ارتباط المناهج بواقع السوق. ولكي يتم تخفيض معدلات الرسوب والتسرب لابد للإستراتيجية من اقتراح خيارات لها علاقة بالأسباب بعد تشخيصها. إلا إننا إذا اعتمدنا على التجارب العالمية ونأخذ واقع التعليم الجامعي في العراق بالاعتبار فيمكن اقتراح عدة علاجات لهذه المشكلة منها اشتراط مستوى معين من المهارات والقابليات والقدرات لكل اختصاص، وعدم فرض اختصاص لا يرغب به الطالب، وهذا يتطلب إعادة النظر في أساليب القبول في الجامعات العراقية، وتحديد الاختصاصات وعدد الطلاب في كل اختصاص على ضوء حاجة السوق والمجتمع ورغبة الطلبة، وتحسين البيئة الاجتماعية والترفيهية للجامعة، وتعيين مشرفين اجتماعيين لكل طالب منذ السنة الأولى لمعالجة مشكلات الطالب الخاصة. كما لابد للجامعة من تحسين مستويات التعليم والتعلم وتطوير نظم التقييم والامتحانات لتحقيق مخرجات التعلم المستهدفة للبرامج الأكاديمية بما يتوافق مع المعايير الأكاديمية للجودة، وإتباع آليات متطورة لضمان دقة وشفافية التقييم والامتحانات، وتبني نظم تقييم تستند على رسالة المؤسسة التعليمية وقدرات الطلاب الحقيقية.

من المهم أن تضع الإستراتيجية أهدافا قصوى وواضحة للإصلاح التربوي، وألا نتخوف من فشلها، فالأساس في نجاح الإستراتيجية هو تنفيذ سياسات صائبة تعتمد على وضوح الأداء، وبما يتفق مع أهداف الإستراتيجية، وعلى توفر الإمكانات المالية، وعلى تفهم المدرسين والعاملين في القطاع التربوي والتعليمي لأهداف الستراتيجية واستيعابهم لها، هذا علما بأن 19% فقط من الإستراتيجيات تحقق أهدافها بالكامل!

1/3/

Al-Wahedi
Site Admin
Posts: 302
Joined: Fri Nov 26, 2004 2:24 pm
Contact:

Re: ملاحظات حول "الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العال

Post by Al-Wahedi » Fri Mar 30, 2012 2:53 pm

ملاحظات حول الاهداف التربوية في "الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي في العراق"


الخميس 29 مارس / أذار 2012 - 22:06

أ. د. محمد الربيعي





في سياق التنمية الوطنية للتربية والتعليم يتزايد الاهتمام بالتخطيط الستراتيجي، وتهتم دول العالم في بناء وادارة وتوجيه النظام التعليمي على اسس استراتيجية لاسباب مختلفة يدفعها الرغبة في جعل التخطيط عماد كل الفعاليات الاقتصادية، واحيانا من دون ضرورة ان يحقق هذا التخطيط كل النتائج المتوقعة والاهداف النهائية، ومن دون ان تحقق الموارد المخصصة افضل النتائج. وبالرغم من عدم وجود طريقة مثالية للتخطيط الستراتيجي، الا انها تشمل اربعة مراحل اساسية هي التحليل والتخطيط والتنفيذ والتقييم. وفي قطاع التربية والتعليم يعتبر جمع المعلومات وتحليلها بحيث تؤدي للاجابة عن اسئلة مهمة حول ماهية القطاع، وما يجب عمله لمعالجة القضايا الرئيسية، والتحديات التي تواجه القطاع، هو العمود الفقري للستراتيجية، وكل هذه المسائل يمكن درجها ضمن عنوان واحد وهو الاهداف الستراتيجية.
مسودة الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي في العراق تضمنت رؤى واهدافا مهمة تشير لها مقدمة الستراتيجية بأنها (تمهد لما ينبغي تحقيقه وتهيئة استشراف المستقبل وإنضاج وسائل تقدمه). كما اشارت الى الحرص المشترك والجهد الكبير الذي بذلته لجنة اعداد الستراتيجية من أجل تقديم وثيقة (متكاملة منبثقة عن دراسات رصينة ومستمدة من واقع الاطلاع على تجارب الاستراتيجيات المعدة في عدد من دول العالم المتقدمة وذات الظروف المشابهة، وبمراعاة خصوصية البيئة العراقية). استنادا لهذا التأكيد احببت تسليط الضوء على ما اغفلته الستراتيجية من اهداف تتعلق حقاً بواقع التربية والتعليم في العراق، وهي الاهداف التي تعكس بشكل ادق مرامي استراتيجية وطنية للتربية وفلسفة التعليم في العراق دون غيره، عسى ان تؤدي الى مراجعة موضوعية كأساس لرسم ملامح الستراتيجية من خيارات تتعلق بواقع العراق وبدرجة اكثر خصوصية، وعلى ضوء المشاكل الاجتماعية والسلوكية، وخاصة في ظل ازمة غياب أرادة العيش المشترك، وتفشى ظواهر خطيرة كالعنف والفردية المفرطة والفساد الاداري والمالي. وهنا اريد التأكيد على ان الستراتيجية وضعت فقرة عامة تم درجها في حقل جودة التربية والتعليم العالي وتنص على (بناء المناهج على وفق فلسفة الدولة واهداف المجتمع وحاجاته مع التركيز على القيم والاخلاق والجوانب المعرفية والوجدانية والسلوكية والابداع)، الا ان اهمية النص قد ضاعت لعمومية الهدف، ولاننا لا نعرف ما هي فلسفة الدولة في قطاع التربية، وهل هناك حقا فلسفة للدولة، كما أن عدم وجود تحديد دقيق للقيم والاخلاق والجوانب المعرفية الاساسية لا يساعد في الوصول الى علاقة تكاملية بين الاهداف والخيارات الستراتيجية.
خلال زياراتي المتكررة للعراق لمست عن كثب ما كنت دائما اشعر به، وما يؤكده لي عدد من التربويين بوجود ازمة في المعارف والقيم والاخلاق المتعلقة بالسلوك الانساني، وبعدم قدرة المناهج الدراسية على تنمية شخصية العراقي كفرد يفتخر بالانتماء لمؤسسته سواء كانت مدرسة او جامعة او دائرة حكومية او مصنع، وكعضو صالح ومنتج في مجتمع ديمقراطي حر، وكمواطن ملتزم بالقوانين.
المناهج الدراسية لها الدور الحاسم في تربية الفرد تربية صحيحة، وهدفها زرع وترسيخ الايمان بالقيم والمبادئ الانسانية، والالتزام بالثقافة الوطنية، والانفتاح على الثقافات العالمية، وان تغذي في الطالب مبدأ سيادة القانون على المواطنين وبأنه الوسيلة لتحيق العدالة والمساواة بينهم، وبأن تسعى الى تربية وتطوير المعارف والمهارات والمواقف والقيم والسلوك الانساني في الطالب، ويشكل خاص اعتزازه بوطنه وانتمائه له، واعلاء المصلحة العامة، وتوطيد روح السلام في الذات، وادراك اهمية العلم والتكنولوجيا والثقافة والفن واللغات في تطوير الشخصية.
اننا نرى ضرورة ان تتضمن الاهداف التربوية ما مدرج ادناه، وبأن توضع الخيارات والخطط والسياسات لتحقيقها بالرغم من اعترافنا بعدم وجود تحليل عميق حاليا نستند عليه لواقع التربية في العراق، وبعدم وجود تقييم كامل للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها المجتمع العراقي، والاهداف هي:
1- تربية الطالب بثقافة المحبة والاخاء بين القوميات والاديان والطوائف ونبذ التعصب بكل اشكاله.
2- تربية الطالب بثقافة الاعتراف بالاخر وثقافة السلم وبالقيم الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.
3- ألتأكيد على مبدأ المواطنة الصالحة وحب العراق ووحدته.
4- تربية الطالب بأهمية القوانين واحترامها وبعدم مخالفتها وبحرمة ممتلكات الدولة واموالها، وبتعريفه على حقوقه وواجباته.
5- تنمية الشخصية وحب الاستطلاع والتفكير المستقل وممارسة السلوك المتمدن والعمل التعاوني والمبادرة عند الطلاب.
6- تنمية القدرات اللغوية (عربي وكردي وانكليزي) عند الطفل وأكسابه مهارات الاتصال اللغوي الاساسية.
7- ألتاكيد على اهمية تدريس العلوم والرياضيات وتنمية التفكير العلمي والقيم المرتبطة به والتآلف مع التكنولوجيا، لاسيما الحاسوب، كمصدر للمعلومات.

ملاحظات اخرى حول الستراتيجية:
http://www.akhbaar.org/home/2012/02/125437.html

http://www.akhbaar.org/home/2012/03/125920.html


أ.د. محمد الربيعي
جامعة دبلن/ ايرلندا

Post Reply